تخطَّ إلى المحتوى
الاتصال المؤسسي

الدين هو النصيحة

بين كسب القلوب وكسرها كلمة؛ فقد تكون النصيحة هدية تفتح أبواب الإصلاح، وقد تتحول بقسوة أسلوبها إلى جرح يهدم الثقة. كيف ننصح بصدق، ونحفظ كرامة الآخرين في حياتنا وبيئة عملنا؟

كن معينًا ولا تكن مهينًا لمن يحتاج إليك، وكن ناصحًا ولا تكن فاضحًا لمن يخالفك، وكن معاتبًا لا جارحًا؛ فما أجمل أن تأخذ بيد إنسان إلى الصواب، دون أن تكسر في الطريق قلبه أو تهدر كرامته.

النصيحة كلمة محبة، ومسؤولية أخلاقية، ورغبة صادقة في الإصلاح. لكنّها قد تفقد معناها حين تتحول إلى توبيخ، أو تُقال أمام الآخرين بقصد الإحراج، أو تصبح وسيلة لإظهار تفوق الناصح وانتقاص المنصوح. وليس كل من أصاب في ملاحظته أحسن في نصيحته؛ فقد تكون الكلمة صحيحة، ويكون أسلوب تقديمها سببًا في رفضها والنفور من صاحبها.

ومن المعاني التي ينبغي أن يستحضرها الناصح ألّا يتحول إصراره على قبول نصيحته إلى انتصار لنفسه؛ فمهمته أن يبيّن ويوجّه بالحكمة، لا أن يُخضع الآخرين لرأيه، أو يجعل قبول كلامه معيارًا لاحترامهم واستحقاقهم للتقدير.

وكم من ناصح آذى القلوب بلسانه، فجاء يريد تكحيل العيون فأعماها بفظاظته! إن النصيحة كالهدية؛ لا يكفي أن تختار مضمونها، بل عليك أن تحسن تقديمها، وأن تلقى من تهديها إليه بوجه طلق وقلب رحيم.

وتقوم النصيحة النافعة على ثلاثة أصول: الستر، والرفق، وإخلاص النية. فالستر يصون كرامة الإنسان، ويجعل الملاحظة بينك وبينه ما أمكن. والرفق يفتح باب القبول، بعيدًا عن التوبيخ والتجريح. وإخلاص النية يجعل غايتك الأخذ بيد الآخر إلى الخير، لا إثبات أنك أعلم منه أو أفضل.

بين كسب القلوب وكسرها

تُروى حكاية للعبرة عن رجل اشترى هاتفًا مستعملًا، ثم دخل المسجد لأداء الصلاة، فإذا بالهاتف يرنّ بنغمة أغنية لم ينتبه إليها من قبل. وبعد الصلاة، انهال عليه بعض الحاضرين بالتوبيخ والتخويف، دون أن يسألوه أو يمنحوه فرصة للتوضيح. خرج الرجل مثقلًا بالخجل والألم، وتقول الحكاية إنه لم يعد إلى ذلك المسجد.

وفي اليوم التالي، جلس في مقهى، وأسقط رأس الشيشة وصحن الفحم خطأً، فأقبل عليه مدير المكان قائلًا بلطف: «ولا يهمك يا حبيبي، ألف رأس يفداك». وجد الرجل احتواءً بدل الإهانة، فأصبح من رواد المكان.

وبغض النظر عن ثبوت هذه الحكاية، فإنها تطرح سؤالًا يستحق التأمل: كيف نجعل أسلوبنا سببًا في اقتراب الناس من الخير، لا في نفورهم منه؟

لا يصح أن نحكم على مصير إنسان بالجنة أو النار من موقف عابر، لكن علينا أن ندرك أثر الكلمة؛ فقد يريد المرء إصلاح غيره، فيدفعه بقسوته بعيدًا عمّا يدعوه إليه. ولهذا ينبغي أن يبقى شعارنا: بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا، وانصحوا ولا تفضحوا. فبين كسب القلوب وكسرها خيط رفيع، قد تحفظه كلمة رحيمة، وقد تقطعه عبارة جارحة.

النصيحة في بيئة العمل

وفي بيئة العمل، تتكرر مواقف يُقدَّم فيها التجريح تحت عناوين تبدو مقبولة: المصلحة العامة، أو ضعف المسؤولية، أو نقص المؤهلات، أو عدم الكفاءة. وقد تكون هناك ملاحظات تستحق المعالجة فعلًا، لكن العدل يقتضي التحقق، وسماع الطرف المعني، وفهم الصورة كاملة قبل إصدار الأحكام.

لنتخيّل طبيبًا ينتقد زميله أمام مراجع، ويقلل من كفاءته استنادًا إلى احتمالات وظنون، دون معايير واضحة أو شواهد كافية. قد يغادر المراجع وهو يحمل صورة سلبية عن الطبيب الذي تعرّض للانتقاد، ثم ينقلها إلى غيره، فتتسع الرواية ككرة الثلج؛ تُضاف إليها تفسيرات، وتتحول الشكوك مع كثرة التناقل إلى حقائق في أذهان الناس.

وقد يصل أثر ذلك إلى عزوف المرضى عن الطبيب، وتراجع الثقة فيه، وربما التأثير في استمراره الوظيفي، دون أن تُمنح له فرصة عادلة لتوضيح موقفه. وربما لا يعلم أصلًا لماذا أصبح غير مرحب به، أو من أين بدأت تلك الصورة التي التصقت باسمه.

هنا لم تعد المسألة نصيحة؛ لقد أصبحت إساءة تمس السمعة والرزق والمكانة المهنية. والمصلحة العامة لا تتحقق بإهانة الأشخاص، بل بتقييم منصف، وأدلة واضحة، وملاحظات تُرفع عبر القنوات المناسبة، مع إتاحة فرصة الرد والتصحيح.

وصون الكرامة لا يعني السكوت عن خطأ يهدد سلامة المرضى أو حقوق الآخرين؛ فمثل هذا الخطأ يستوجب الإبلاغ والمعالجة، لكن بمهنية وعدل، وبالقدر الذي يحقق الإصلاح ويحفظ الحقوق.

حين يُساء فهم النصيحة

وفي المجال الإعلامي، كما في غيره، قد تنصح زميلًا بينك وبينه، محبةً له وحرصًا على تطوره، فيشكرك ظاهرًا، بينما يحمل كلامك في داخله على غير مقصده. ثم ينقل إلى الزملاء أنك تنصحه لأهداف شخصية، أو أنك تحاول التقليل منه، فتتحول نصيحة خاصة إلى حواجز بينك وبين الآخرين.

وهذا يذكّرنا بأن للنصيحة أدبًا في تقديمها، وأدبًا في استقبالها أيضًا. فعلى الناصح أن يحسن اختيار الوقت والعبارة، وأن يستمع قبل أن يحكم، وألّا يفترض أن رؤيته مكتملة. وعلى المنصوح أن يتأنى في تفسير المقاصد، وأن يناقش ما لم يفهمه، وألّا يحوّل الملاحظة إلى خصومة أو ينسب إلى صاحبها نيات لم يقم عليها دليل.

ليس كل نقد عداوة، كما أن كل كلام يُسمّى نصيحة ليس بالضرورة نافعًا. والميزان هو صدق المقصد، وعدل المضمون، ورحمة الأسلوب، واستعداد الطرفين للفهم والمراجعة.

النصيحة مسؤولية ورحمة

نحتاج إلى النصيحة في مجتمعنا، ولا نريد أن يغيب صوتها أو يفقد وهجها بسبب قسوة بعض الناصحين أو سوء ظن بعض المتلقين. نحتاجها في بيوتنا، وفي أعمالنا، وبين زملائنا، لكنها تحتاج إلى قلوب رحيمة، وكلمات موزونة، وعقول تدرك اختلاف الناس وظروفهم.

خاطب الناس بما يناسب فهمهم وحالهم، ولا تجعل أعمارهم وحدها مقياسًا لطريقة الحديث معهم. واحفظ للكبير مكانته، وللصغير كرامته، وللمخطئ حقه في أن يتعلم ويصحح دون إذلال.

فإن النصيحة أمانة ومسؤولية؛ نريد بها الإصلاح، ونقدّمها بصدق ورحمة، فلا نجعلها ستارًا للتشهير، ولا وسيلة للانتقاص من الآخرين أو الانتصار للنفس.

وفي الختام، قال النبي ﷺ: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

وقد بيّن الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في شرحه لهذا الحديث، المنشور في موقعه الرسمي، أن النصيحة تقوم على الإخلاص والصدق، والعناية بالعمل حتى يؤدَّى دون غش أو خيانة أو تقصير، وأن التوجيه إلى الخير يكون بالأسلوب الحسن والرفق. وقال رحمه الله: «فهذا الحديث العظيم يدل على أن الدين هو النصيحة».

سجّل الدخول للإعجاب 2
علي سعود الهويشان خديجة عبد الإله باطويل

أعجب بهذا علي سعود الهويشان وعضو آخر

شارك المقال
LinkedIn X

تيليجرام بريد إلكتروني

أعجب 2 عضوًا

1 تعليق

التعليق متاح لأعضاء الزمالة المسجّلين. دخول الأعضاء