تخطَّ إلى المحتوى
الإعلام الرقمي

حين تَسرق الخوارزميات ذاكرةَ الصحافة..

قبل عقود، كان الخبر يغادر الصفحة لكنه لا يغادر الأرشيف. كانت الصحيفة تُحفظ، والعدد يُستعاد، والمعلومة تبقى شاهدًا يمكن الرجوع إليه بعد سنوات.

قد لا تكون أخطر مشكلة في الإعلام الرقمي أن الخبر أصبح أسرع من الصحفي، بل أن الخبر أصبح أسرع من ذاكرة الجمهور.

قبل عقود، كان الخبر يغادر الصفحة لكنه لا يغادر الأرشيف. كانت الصحيفة تُحفظ، والعدد يُستعاد، والمعلومة تبقى شاهدًا يمكن الرجوع إليه بعد سنوات.

أما اليوم، فقد تنشر مؤسسة إعلامية تحقيقًا استغرق إعدادُه أشهرًا، ثم يختفي من المشهد خلال أيام؛ تدفعه الخوارزميات إلى أسفل الشاشة، أو يتوارى بين ملايين المنشورات، أو يتعطل رابطه، أو يصبح العثور عليه أكثر صعوبة.

وهنا السؤال الذي يجب أن يقلق الصحافة:

من يقرر ما الذي يستحق أن يبقى في ذاكرتنا؟

الخوارزمية لا تعرف قيمة الخبر بمعناها الصحفي. هي تعرف ما يجذب الانتباه، وما يرفع التفاعل، وما يجعل المستخدم يبقى وقتًا أطول أمام الشاشة.

وهذه هي المفارقة.

قد يكون الخبر الأكثر انتشارًا اليوم أقل أهمية بعد سنوات، بينما تكون مادة صحفية لم تحقق ملايين المشاهدات هي الوثيقة التي يحتاجها باحث لفهم حدث أو مرحلة كاملة.

ولذلك، عندما يبحث صحفي بعد عشر سنوات عن قضية شغلت الرأي العام، لا يكفي أن يجد عشرات المنشورات التي تتحدث عنها. السؤال الحقيقي: هل سيجد المادة الأصلية؟

هل سيجد التحقيق كاملًا؟

هل سيجد المصادر والسياق والتاريخ؟

أم سيجد مقطعًا مقتطعًا من حديث قديم، أعادت المنصات تدويره حتى فقد صلته بسياقه الأول؟

هنا لا تضيع المعلومة وحدها؛ يضيع معها السياق، وحين يضيع السياق تصبح الحقيقة أكثر قابلية لإعادة الصياغة.

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من الحل. يستطيع فهرسة الأرشيفات، وتحويل الوثائق القديمة إلى محتوى قابل للبحث، وربط الأحداث بالشخصيات والتواريخ، واستعادة كنوز إعلامية كادت أن تُنسى.

لكن لا ينبغي أن نرتكب خطأ جديدًا: أن نسلّم للآلة مهمة تحديد ما يستحق أن يبقى.

فالخوارزمية تقيس الانتشار، بينما الصحافة تقيس القيمة.

ومن هنا قد يتغير دور الصحفي في السنوات المقبلة. لن يكون دوره نقل الخبر وتفسيره فقط، بل حفظ أثره أيضًا؛ لأن الصحافة التي لا تحفظ مصادرها وسياقها قد تترك للأجيال القادمة روايات كثيرة، لكنها لا تترك بالضرورة الحقيقة التي بدأت منها تلك الروايات.

نحن نعيش زمنًا ينتج الأخبار بسرعة لم تعرفها البشرية من قبل، لكن سرعة الإنتاج لا تعني بالضرورة قوة الذاكرة.

فالترند عمره ساعات، والخبر قد يعيش سنوات، أما الوثيقة الصحفية الجيدة فقد تعيش قرنًا.

وهنا تكمن مسؤولية الصحفي.

أن يكتب للناس الذين أمامه، نعم؛ لكنه يكتب أيضًا لمن سيأتي بعدهم ويسأل:

ماذا حدث فعلًا؟

عندها لن تكون الإجابة في عدد المشاهدات، ولا في حجم التفاعل، ولا في ترتيب الترند.

ستكون في الأرشيف.

فالخوارزميات تستطيع أن تقرر ما نراه اليوم، لكن الصحافة وحدها يجب أن تحرص على ألا تقرر ما نتذكّره غدًا .

سجّل الدخول للإعجاب 3
علي سعود الهويشان رياض عبدالله الحريري

أعجب بهذا علي سعود الهويشان و2 أعضاء آخرين

شارك المقال
LinkedIn X

تيليجرام بريد إلكتروني

أعجب 3 عضوًا

1 تعليق

التعليق متاح لأعضاء الزمالة المسجّلين. دخول الأعضاء

مقالات أخرى للكاتب