عندما ينتقل شخص من دراسة تخصص علمي بحت، كالأشعة التشخيصية، إلى العمل في مجال التسويق والاتصال المؤسسي، يبدو المسار للوهلة الأولى وكأنه قفزة بين عالمين لا رابط بينهما: عالم القياس والتشخيص الدقيق من جهة، وعالم السرد والإقناع وبناء العلاقة مع الجمهور من جهة أخرى. كثيرون ممن يمرّون بمسار مشابه يميلون إلى النظر لهذا التحول على أنه بداية جديدة كليًا، تُطوى فيها صفحة التخصص العلمي السابق باعتبارها مرحلة منتهية لا صلة لها بالحاضر. لكن عند التأمل بعمق أكبر في تفاصيل هذا الانتقال، تتكشف روابط أعمق مما يبدو ظاهريًا. هذا المقال محاولة تأملية لفهم كيف يمكن لخلفية علمية، مثل التدريب في تخصص التصوير التشخيصي، أن تُثري -لا أن تُعيق- العمل في صناعة المحتوى والتواصل داخل القطاع الصحي.
لماذا يبدو المساران بعيدين؟
على السطح، يبدو التخصص العلمي والتواصل المؤسسي عالمين متباعدين: الأول يتعامل مع بيانات ومقاييس وأدلة قابلة للقياس بدقة، والثاني يتعامل مع رسائل وقصص وانطباعات يصعب قياسها بالدرجة نفسها من الصرامة. من السهل، بناءً على هذا التصور، اعتبار الخلفية العلمية مجرد “معلومة إضافية” تُذكر في السيرة الذاتية دون أثر عملي حقيقي عند الانتقال إلى مجال التسويق، بدلًا من النظر إليها كأساس فعلي يمكن البناء عليه في العمل اليومي. غير أن العادات الذهنية التي يبنيها أي تدريب علمي دقيق -الملاحظة المنهجية، والتمييز بين الإشارة والضوضاء، والانضباط في عدم القفز إلى استنتاجات متسرعة بناءً على معلومة ناقصة- لا تختفي بمجرد تغيير المجال؛ بل تنتقل مع الشخص إلى أي عمل يمارسه لاحقًا، بما في ذلك التواصل والتسويق.
من “قراءة الصورة” إلى “قراءة الجمهور”
من أبرز المهارات التي يبنيها التدريب في التصوير التشخيصي القدرة على فحص بيانات معقدة بعناية، والتمييز بين تباين طبيعي لا يستدعي قلقًا وإشارة فعلية تستحق الانتباه والمتابعة، دون التسرع في إصدار حكم بناءً على معلومة جزئية أو غير مكتملة. هذه المهارة بالذات تجد تطبيقًا مباشرًا في عمل يعتمد على متابعة المحادثات الرقمية وتحليل بيانات الجمهور: القدرة على التمييز بين تعليق عابر لا يستحق تصعيدًا، وإشارة مبكرة حقيقية على قضية تستحق المتابعة الجادة، هي في جوهرها المهارة نفسها التي يتدرب عليها أي متخصص في قراءة البيانات التشخيصية، وإن اختلف موضوع القراءة تمامًا بين الحالتين.
الدقة كعادة لا كقيد
في العمل السريري، الدقة في الوصف واللغة ليست خيارًا أسلوبيًا بل شرطًا أساسيًا لا يحتمل التهاون؛ فالتقرير الذي يصف نتيجة فحص لا يحتمل المبالغة أو التعميم غير الدقيق، ويميّز بوضوح بين ما هو مؤكد وما يحتاج إلى مزيد من التحقق. حين تنتقل هذه العادة إلى عالم صناعة المحتوى الصحي، تصبح ميزة حقيقية لا عبئًا إضافيًا: فالقدرة على التمييز الفطري بين عبارة “قد يساعد” وعبارة “يعالج”، وبين نتيجة مؤكدة وأخرى محتملة فقط، تأتي بشكل أسهل لمن تدرّب على هذا النوع من الدقة اللغوية في سياق علمي صارم، مقارنة بمن لم يمر بتدريب مشابه من الأساس.
فهم البيئة السريرية من الداخل
من الفوائد العملية الأخرى لامتلاك خلفية علمية سابقة في القطاع الصحي القدرة على التواصل بلغة مشتركة مع الكادر الطبي عند العمل على محتوى يتطلب تعاونهم ومراجعتهم. معرفة السياق السريري من الداخل -حتى لو لم تعد الممارسة اليومية للشخص مرتبطة به مباشرة- تجعل الحوار مع الأطباء والفنيين والممارسين الصحيين أسهل وأكثر كفاءة، وتساعد على طرح الأسئلة الصحيحة عند التحقق من دقة أي محتوى قبل نشره، بدلًا من الاعتماد الكامل على ما يُقال دون القدرة على تقييمه أو مساءلته بشكل بنّاء.
التحول نفسه كمهارة
من المفارقات اللافتة أن الانتقال من تخصص تقني بحت إلى مجال قائم أساسًا على التواصل والإقناع لا يحدث تلقائيًا بمجرد امتلاك خلفية علمية جيدة، بل يتطلب استثمارًا واعيًا ومتواصلًا في اكتساب مهارات جديدة كليًا: فهم السوق وسلوك المستهلك، صياغة الرسائل بفعالية، إدارة الحملات التسويقية، وقراءة سلوك الجمهور عبر القنوات المختلفة. بهذا المعنى، فإن الخلفية العلمية ليست بديلاً عن هذا التعلّم المتواصل، بل أساس صلب ينطلق منه صاحبها، بينما يبقى الجهد الحقيقي في اكتساب أدوات التواصل ذاتها -بشكل مستمر ومتراكم عبر الزمن- هو ما يصنع الفارق الحقيقي في مسيرة مهنية ناجحة.
خلاصة لمن يفكر في مسار مشابه
لمن يفكّر في الانتقال من تخصص علمي أو تقني إلى مجال التسويق أو الاتصال، تستحق العادات الذهنية التي بناها التدريب العلمي أن تُنظر إليها بعين مختلفة: ليست معلومة جانبية تُذكر بشكل عابر في السيرة الذاتية فحسب، بل أداة تفكير حقيقية يمكن تطويعها لخدمة عمل مختلف تمامًا في ظاهره عن التخصص الأصلي. الأهم في هذا المسار أن يصاحب الاستفادة من هذه العادات استثمار حقيقي وجاد في تعلّم مهارات التواصل بحد ذاتها، لا افتراض أن الخلفية العلمية وحدها كافية لتحقيق النجاح في مجال جديد كليًا.
الخاتمة
التقاء الدقة العلمية بحرفية التواصل ليس مزيجًا شائعًا، وربما يكون هذا بالتحديد ما يمنحه قيمته الحقيقية: زاوية نظر مختلفة تلاحظ ما قد يفوت غيرها ممن لم يمر بتدريب مشابه، وانضباط في اللغة والتعامل مع المعلومة نادرًا ما يأتي بشكل طبيعي لمن لم يختبر هذا النوع من التدريب الدقيق. جعل هذا الأصل الهادئ مرئيًا ومُدركًا -بدلاً من اعتباره مجرد خلفية تعليمية سابقة منتهية الصلاحية- هو ما يحوّله من مجرد سطر في السيرة الذاتية إلى ميزة تنافسية فعلية في صناعة محتوى صحي أكثر مسؤولية ودقة وموثوقية.
أعجب بهذا علي سعود الهويشان

