لعقود طويلة، كانت سمعة المؤسسات تُبنى ببطء عبر سنوات من العلاقات العامة التقليدية والتغطية الإعلامية المدروسة، وكانت أي أزمة تمر عبر قنوات محدودة يمكن التحكم في إيقاعها نسبيًا. أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة جذريًا؛ إذ يمكن لتعليق واحد أو منشور عابر أن ينتشر خلال ساعات قليلة ليشكّل انطباعًا عامًا قد يستغرق تصحيحه وقتًا طويلاً. هذا التحوّل يفرض على المتخصصين في التواصل المؤسسي إعادة النظر في طريقة تعاملهم مع السمعة الرقمية؛ من موقف “الاستجابة عند الحاجة” إلى موقف “الاستعداد الدائم”.
يُقصد بـ”السمعة المؤسسية الرقمية” مجموع الانطباعات التي تتكوّن لدى الجمهور عن مؤسسة ما، نتيجة كل ما تنشره بنفسها وكل ما يُقال عنها عبر القنوات الرقمية المختلفة، من منصات التواصل الاجتماعي إلى محركات البحث ومواقع المراجعات.
لماذا تغيّرت قواعد اللعبة؟
في البيئة الرقمية، لم يعد الجمهور مجرد متلقٍّ للرسائل المؤسسية، بل أصبح شريكًا فعليًا في تشكيل الحديث حول العلامة، سواء شاركت المؤسسة في هذا الحديث أم لا. المحادثات تدور باستمرار، وأي فراغ في الاستجابة قد يُملأ بسرعة من أطراف أخرى ليست بالضرورة دقيقة أو محايدة. من هنا برزت أهمية ما يُعرف بـ”الاستماع الرقمي” (Digital/Social Listening)، وهو ممارسة منهجية لمتابعة المحادثات والإشارات المتعلقة بالمؤسسة عبر القنوات الرقمية بشكل مستمر، لا فقط عند وقوع أزمة. هدف الاستماع الرقمي ليس جمع البيانات لذاتها، بل اكتشاف الإشارات المبكرة التي قد تتحول لاحقًا إلى قضايا أكبر، والتعامل معها في مرحلة يكون التأثير فيها محدودًا.
من رد الفعل إلى الاستباقية
الفارق الجوهري بين الإدارة التفاعلية والإدارة الاستباقية للسمعة لا يكمن فقط في التوقيت، بل في العقلية الكامنة خلف كل نهج. الإدارة التفاعلية تنتظر وقوع الحدث السلبي ثم تُحرّك آلية الاستجابة، وغالبًا ما تبدو ردود الفعل في هذا النموذج دفاعية ومتأخرة. أما الإدارة الاستباقية فتقوم على بناء ما يمكن تسميته “رصيدًا من الثقة” قبل وقوع أي حدث، من خلال تواصل شفاف ومتّسق، ومحتوى ذي قيمة حقيقية للجمهور، وعلاقة مستمرة لا تقتصر على أوقات الأزمات فقط.
يشير عدد من الباحثين في مجال اتصال الأزمات إلى أن المؤسسات التي تمتلك سجلًا سابقًا من الشفافية والانخراط الحقيقي مع جمهورها، تكون عادة أكثر قدرة على احتواء الأثر السلبي لأي حادثة مقارنة بمؤسسات تتعامل مع كل أزمة كحدث منعزل. بعبارة أخرى، السمعة الجيدة المبنية مسبقًا تعمل كـ”وسادة أمان” تمتص جزءًا من الصدمة عند وقوع أي إشكال.
أركان استراتيجية استباقية فعّالة
يمكن تلخيص العناصر الأساسية لأي استراتيجية استباقية لإدارة السمعة الرقمية في خمسة أركان رئيسية:
• المراقبة والاستماع المستمر: متابعة دائمة للمحادثات والإشارات ذات الصلة بالمؤسسة عبر مختلف القنوات، وليس فقط عند ظهور مؤشرات سلبية واضحة.
• بروتوكولات استجابة معتمدة مسبقًا: وجود مسارات قرار وقوالب استجابة جاهزة للسيناريوهات المتوقعة، بحيث لا يُهدر وقت ثمين في النقاش الداخلي أثناء الحدث نفسه.
• التنسيق المؤسسي الداخلي: علاقة عمل واضحة ومسبقة بين فريق التواصل والإدارة التنفيذية والشؤون القانونية والموارد البشرية، بحيث يعرف كل طرف دوره لحظة الحاجة.
• الاتساق في الرسائل عبر القنوات: التأكد من أن الحقائق والموقف الأساسي للمؤسسة يبقيان ثابتين عبر مختلف المنصات، حتى لو اختلفت لهجة الخطاب بحسب طبيعة كل قناة.
• المراجعة بعد كل حادثة: تحويل كل واقعة، مهما كان حجمها، إلى فرصة تعلّم مؤسسي، عبر مراجعة منظمة تُحدّث بموجبها البروتوكولات القائمة.
حساسية إضافية في القطاع الصحي
تكتسب إدارة السمعة الرقمية في القطاع الصحي أبعادًا إضافية، نظرًا لأن المعلومات المتداولة ترتبط مباشرة بثقة الجمهور في الجهات المعنية بصحتهم. أي معلومة غير دقيقة أو مبالغ فيها في هذا السياق قد يتجاوز أثرها السمعة التجارية إلى الثقة العامة في المنظومة الصحية ذاتها. لذلك يصبح التحقق العلمي من المحتوى قبل نشره، وسرعة تصحيح أي معلومة خاطئة متداولة، من الأولويات التي لا تحتمل التأجيل. كما تخضع الجهات الصحية والإعلامية في السياق السعودي لأطر تنظيمية تشرف عليها جهات مختصة، ما يستوجب أن تكون أي استجابة تواصلية متوافقة مع هذه الأطر إلى جانب فعاليتها التواصلية.
من الأمثلة التاريخية المعروفة على نطاق واسع في أدبيات اتصال الأزمات، حادثة شركة جونسون آند جونسون مع منتج “تايلينول” في الثمانينيات، حين واجهت الشركة أزمة تتعلق بسلامة المنتج. بدلًا من محاولة تقليل الأثر أو التريّث في الاستجابة، اختارت الشركة نهجًا شفافًا وسريعًا، شمل التعاون مع الجهات الرقابية وإعادة النظر في معايير سلامة التغليف. يُستشهد بهذه الحادثة كثيرًا كمثال على أن الشفافية والاستجابة الحاسمة، حتى حين تكون مكلفة على المدى القصير، يمكن أن تسهم في الحفاظ على الثقة على المدى الطويل.
لم تعد إدارة السمعة المؤسسية الرقمية مهمة عرضية تُفعَّل عند الحاجة، بل تحوّلت إلى ممارسة استراتيجية مستمرة تتطلب أنظمة عمل واضحة: استماعًا دائمًا، وبروتوكولات جاهزة، وتنسيقًا مؤسسيًا متينًا. والفارق بين مؤسسة تُدار سمعتها الرقمية باستباقية وأخرى تتعامل معها بردود أفعال متفرقة، غالبًا ما يظهر بوضوح في اللحظات التي تكون فيها الثقة على المحك. لمن يعمل في مجال الإعلام الرقمي والتواصل المؤسسي، فإن اعتماد هذه العقلية الاستباقية ليس خيارًا إضافيًا، بل أحد أعمدة الممارسة المهنية الجادة في هذا المجال.
أعجب بهذا علي سعود الهويشان

