تخطَّ إلى المحتوى
تقارير او تحليل

المشهد الإعلامي السعودي

المشهد الإعلامي السعودي في 2025: الجمهور تغيّر… فهل تغيّرت استراتيجيات الاتصال؟

المشهد الإعلامي السعودي في 2025: الجمهور تغيّر… فهل تغيّرت استراتيجيات الاتصال؟

قراءة تحليلية في تقريري «إنترنت السعودية 2025» و«حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار»، وما تعنيه أرقامهما عمليًا لفرق الإعلام والعلاقات العامة والتسويق.

لم يعد التحول الإعلامي في المملكة مرتبطًا بظهور منصة جديدة أو تغيّر خوارزمية عابرة، بل أصبح تحولًا هيكليًا يشمل سلوك الجمهور، وصناعة المحتوى، وتوزيع الإنفاق الإعلاني، واستخدام الذكاء الاصطناعي، ودور الإعلام نفسه في الاقتصاد الوطني.

وعند قراءة تقرير «إنترنت السعودية 2025» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، إلى جانب تقرير «حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار: 2025 وما بعدها» الصادر عن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تظهر أمام المتخصصين رسالة واضحة: لم يعد كافيًا أن تكون الجهة حاضرة رقميًا، بل يجب أن تعرف أين يوجد جمهورها، وكيف يستهلك المحتوى، وما الصيغة التي يفضلها، وما الأثر الذي تريد تحقيقه من كل قناة.

الأرقام في سطور

• 99.6% نسبة انتشار استخدام الإنترنت في المملكة.
• 53 جيجابايت متوسط استهلاك بيانات الإنترنت المتنقل شهريًا للفرد — ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.
• 45.2% نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في 2025، مقابل 21.5% في 2024.
• 47 مليار ريال مساهمة متوقعة للقطاع الإعلامي في الناتج المحلي بحلول 2030.
• 90% حصة متوقعة للقنوات الرقمية من الإنفاق الإعلاني بحلول 2029.

جمهور متصل طوال اليوم

بلغت نسبة انتشار استخدام الإنترنت في المملكة 99.6%، فيما يقضي 61.3% من المستخدمين سبع ساعات فأكثر يوميًا على الإنترنت. كما وصل متوسط استهلاك بيانات الإنترنت المتنقل إلى 53 جيجابايت شهريًا للفرد، بما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وبلغ وسيط سرعة تحميل الإنترنت المتنقل 216 ميجابت في الثانية.

هذه الأرقام تعني أن الاتصال الرقمي لم يعد قناة إضافية ضمن الخطة الاتصالية، بل أصبح البيئة الأساسية التي يعيش فيها الجمهور ويتخذ قراراته ويبحث عن المعلومات ويتفاعل مع الجهات والعلامات التجارية.

ويستخدم 99.6% من المستخدمين الهاتف المتنقل للدخول إلى الإنترنت، كما يستخدمه 84% أثناء التنقل، مقابل 77.5% في المنزل و41.4% في العمل. لذلك فإن أي محتوى لا يُصمم من البداية للهاتف المحمول، أو يحتاج إلى وقت طويل لفهمه، أو لا يقود المستخدم إلى إجراء واضح، يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على التأثير.

ويرصد التقرير الفترة من التاسعة حتى الحادية عشرة مساءً بوصفها ساعات الذروة اليومية، ويوم الجمعة بوصفه يوم الذروة الأسبوعي. لكن ذلك لا يعني أن جميع الجهات مطالبة بالنشر في الوقت نفسه؛ فالتوقيت الفعّال يجب أن يُختبر وفق طبيعة الجمهور والرسالة والهدف، لا وفق المؤشر العام وحده.

خريطة المنصات تتغير

تكشف المقارنة بين تقريري 2024 و2025 تغيرًا واضحًا في ترتيب تطبيقات التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا في المملكة (النسبة في 2024 ← النسبة في 2025):

• واتساب: 92.2% ← 92.7% (+0.5 نقطة مئوية)
• سناب شات: 79.0% ← 83.6% (+4.6 نقاط)
• تيك توك: 74.6% ← 77.0% (+2.4 نقطة)
• يوتيوب: 79.9% ← 75.8% (−4.1 نقاط)
• إنستغرام: 44.1% ← 40.8% (−3.3 نقاط)
• منصة X: 37.3% ← 34.9% (−2.4 نقطة)
• تيليجرام: 30.0% ← 24.3% (−5.7 نقاط)
• فيسبوك: 24.2% ← 18.8% (−5.4 نقاط)

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعبّر عن نسبة الاستخدام، وليست حصة سوقية أو مقياسًا لزمن الاستخدام أو مستوى التأثير. كما أن استخدام منصة لا يمنع استخدام منصات أخرى، ولذلك لا ينبغي جمع النسب أو التعامل معها بوصفها توزيعًا لحصة الجمهور. وقد تمت المقارنة مع البيانات الرسمية الواردة في تقرير إنترنت السعودية 2024.

واتساب: من تطبيق للمراسلة إلى أصل اتصالي مؤسسي

يحافظ واتساب على المركز الأول بنسبة استخدام بلغت 92.7%، ما يجعله أقرب قناة رقمية إلى الجمهور السعودي بمختلف فئاته العمرية.

بالنسبة للجهات، تبرز فرصة إنشاء قناة واتساب موثقة لنشر الأخبار والتنبيهات والمحتوى القابل للمشاركة، إلى جانب استخدام واتساب للأعمال في الخدمات التي تتطلب التواصل المباشر. لكن النجاح في هذه القناة يتطلب سياسة تحريرية واضحة، وعدم إغراق المشتركين بالرسائل، وحماية البيانات والخصوصية، وتحديد دور القناة بدقة: هل هي للإخبار، أم للخدمة، أم لبناء المجتمع؟

سناب شات وتيك توك: صعود المحتوى البصري السريع

انتقل سناب شات من المركز الثالث في 2024 إلى المركز الثاني في 2025، بعد ارتفاع استخدامه إلى 83.6%، بينما صعد تيك توك إلى المركز الثالث بنسبة 77%.

لا تعني هذه الأرقام نقل المحتوى المنشور في المنصات الأخرى وإعادة عرضه عموديًا، بل تتطلب صناعة محتوى أصلي يتناسب مع طبيعة المنصتين: فيديو قصير، بداية جاذبة، إيقاع سريع، حضور بشري، لغة مباشرة، وسرد قصصي يجعل الرسالة جزءًا من تجربة الجمهور.

وبالنسبة للعلاقات العامة، تتيح هذه المنصات تقديم المتحدثين والخبراء وموظفي الجهة بصورة أكثر إنسانية، وتوثيق الكواليس، وتبسيط الرسائل المعقدة، وإشراك صنّاع المحتوى، بدل الاكتفاء بالبيانات الرسمية والتغطيات التقليدية.

يوتيوب: التراجع لا يعني فقدان الأهمية

تراجع استخدام يوتيوب من 79.9% إلى 75.8%، وانتقل من المركز الثاني إلى الرابع. لكن قراءة هذا التراجع باعتباره دعوة لتقليص الحضور على يوتيوب ستكون قراءة متسرعة؛ فالمنصة لا تزال مستخدمة من ثلاثة أرباع مستخدمي الإنترنت تقريبًا، كما جاءت في المرتبة الثانية ضمن المواقع الأكثر زيارة في المملكة.

تكمن قيمة يوتيوب في المحتوى طويل العمر، والظهور في نتائج البحث، واستضافة المقابلات والأفلام والتقارير والمواد التعليمية. لذلك يجب النظر إليه بوصفه مكتبة مرئية ومحرك بحث معرفيًا، لا مجرد منصة لتحقيق المشاهدات السريعة.

إنستغرام وX: أدوار أكثر تخصصًا

تراجع إنستغرام إلى 40.8%، كما تراجعت منصة X إلى 34.9%. ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء الاستثمار فيهما، بل إعادة تحديد دور كل منصة.

إنستغرام مناسب لبناء الهوية البصرية، والقصص، والريلز، والمحتوى المرتبط بأسلوب الحياة، بينما تظل منصة X مؤثرة في الأخبار، والنقاش العام، والتواصل مع الإعلاميين وصنّاع القرار والمتخصصين، وإدارة المواقف والقضايا والأزمات.

المشكلة ليست في وجود الجهة على X، بل في الاعتماد عليها بوصفها القناة الرئيسية أو الوحيدة، أو نشر المحتوى نفسه فيها وفي إنستغرام وسناب شات وتيك توك دون مراعاة اختلاف الجمهور وسلوك الاستخدام.

كما أن التقرير يرصد التراجع، لكنه لا يثبت سببه؛ ولذلك لا يمكن ربط انخفاض الاستخدام بتغيّر الخوارزميات وحده دون بيانات إضافية.

لا يوجد «جمهور واحد»

تكشف بيانات الفئات العمرية أن اختيار القناة يجب أن يبدأ من الجمهور، لا من شعبية المنصة العامة.

فقد بلغ استخدام سناب شات 89.3% لدى الفئة من 10 إلى 19 عامًا، و91% لدى الفئة من 20 إلى 29 عامًا. كما بلغ استخدام تيك توك نحو 82% لدى الفئتين نفسيهما. وفي المقابل، تجاوز استخدام واتساب 96% لدى عدد من الفئات الواقعة بين 30 و59 عامًا.

وتظهر فروقات مهمة بحسب الجنس؛ إذ بلغ استخدام سناب شات لدى الإناث 88.2% مقابل 80.2% لدى الذكور، بينما بلغ استخدام يوتيوب لدى الذكور 81.1% مقابل 68.8% لدى الإناث. أما تيك توك فسجل تقاربًا أكبر بين الجنسين.

من منظور اتصالي، تؤكد هذه الفروق أن الحملة الواحدة قد تحتاج إلى أكثر من صيغة إبداعية وأكثر من قناة. فالرسالة الأساسية يمكن أن تكون واحدة، لكن طريقة تقديمها يجب أن تختلف بحسب عمر الجمهور واهتماماته وسلوكه والمنصة التي يستخدمها.

الإعلام يتحول إلى قطاع اقتصادي مؤثر

يتوقع تقرير حالة الإعلام ارتفاع مساهمة القطاع الإعلامي في الناتج المحلي الإجمالي من 16 مليار ريال في 2024 إلى 47 مليار ريال بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يناهز 20%. كما يتوقع أن يدعم القطاع نحو 150 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة بحلول 2030. وأطلقت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام التقرير بوصفه وثيقة مرجعية لرصد واقع القطاع وفرصه الاستثمارية.

وفي سوق الإعلان، يتوقع التقرير وصول إجمالي الإنفاق الإعلاني في المملكة إلى 9.4 مليارات ريال في 2025، بنمو قدره 10.5%، فيما تستحوذ إعلانات البحث وحدها على نحو 3.8 مليارات ريال.

والأهم أن القنوات الرقمية مرشحة للاستحواذ على نحو 90% من إجمالي الإنفاق الإعلاني بحلول 2029، مع توقع أن تمثل الإعلانات البرمجية قرابة 80% من الإيرادات.

هذه الأرقام تعني أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على جودة الفكرة الإبداعية، بل على جودة البيانات، ودقة الاستهداف، وسرعة التجربة والتحسين، والقدرة على ربط الإنفاق بالنتائج. وسيصبح التعاون بين فرق الإعلام والعلاقات العامة والتسويق والبيانات والتقنية شرطًا أساسيًا لبناء حملات أكثر كفاءة.

المحتوى المحلي فرصة استراتيجية

يشير تقرير حالة الإعلام إلى أن 71% من مشاهدي الإعلام الرقمي في المملكة اطّلعوا على محتوى محلي خلال الربع الأول من 2024، ما يعكس تنامي الطلب على القصص السعودية والمحتوى العربي المرتبط بالسياق المحلي.

كما قُدرت قيمة سوق محتوى الفيديو الرقمي في المملكة بنحو 8.3 مليارات ريال في 2025، مع توقع وصولها إلى 19.1 مليار ريال بحلول 2034.

والمحتوى المحلي هنا لا يعني الاكتفاء باستخدام اللهجة أو تصوير مواقع سعودية، بل تقديم قصة تحمل معرفة حقيقية بالمجتمع، وتستوعب اهتماماته وقيمه وتطلعاته. وكلما كان المحتوى أكثر أصالة وقربًا من التجربة السعودية، ارتفعت فرص تداوله وتأثيره داخل المملكة وخارجها.

الذكاء الاصطناعي يغيّر رحلة البحث عن المعلومة

ارتفعت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المملكة من 21.5% في 2024 إلى 45.2% في 2025، أي إنها تجاوزت ضعف العام السابق، وجاء ChatGPT في المرتبة الأولى بين التطبيقات الأكثر تحميلًا في المملكة.

ويستخدم 80.8% من مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي هذه الأدوات للبحث عن المعلومات، و40.1% لتوليد الأفكار، و25.7% لإنشاء الصور أو الفيديو أو العروض التقديمية.

هذا التحول يفرض على فرق الاتصال المؤسسي التفكير في حضور محتوى الجهة داخل إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، وليس فقط في نتائج محركات البحث ومنصات التواصل. ويبدأ ذلك من امتلاك موقع موثوق، ومعلومات واضحة ومحدثة، وصفحات أسئلة شائعة، ومحتوى منظم يمكن الرجوع إليه والاستشهاد به.

كما يتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي داخل إدارات الاتصال سياسات واضحة للتحقق من المعلومات، وحماية البيانات، ومراجعة المحتوى، والإفصاح، والمحافظة على النبرة المؤسسية، حتى لا تتحول السرعة إلى مصدر لمخاطر السمعة.

ماذا تعني الأرقام للجهات وفرق الاتصال؟

يمكن ترجمة قراءة التقريرين إلى سبعة توجهات عملية:

1. بناء مصفوفة للجمهور والرسالة والقناة: لا تبدأ الخطة بتحديد المنصات، بل بتحديد الجمهور والسلوك والهدف، ثم اختيار القناة المناسبة.

2. اعتماد مبدأ المحتوى الأصلي لكل منصة: الفكرة الواحدة يمكن إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة، لكن نسخ المنشور نفسه في جميع القنوات لم يعد ممارسة فعّالة.

3. تأسيس حضور مهني في واتساب: من خلال قناة موثقة، وتقويم تحريري، ومحتوى مختصر قابل للمشاركة، وسياسات واضحة للخصوصية والتفاعل.

4. الاستثمار في الفيديو القصير دون إهمال المحتوى العميق: سناب شات وتيك توك للاكتشاف والتفاعل السريع، ويوتيوب للمحتوى المعرفي طويل العمر.

5. تقوية الأصول الرقمية المملوكة: الموقع الإلكتروني، وقواعد بيانات المشتركين، ومحركات البحث، والمحتوى المؤسسي، أكثر استدامة من الاعتماد الكامل على خوارزميات المنصات.

6. الاستعداد لعصر محركات الإجابة: عبر تحسين المحتوى للبحث التقليدي ولأدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم معلومات موثوقة ومنظمة وقابلة للاستشهاد.

7. قياس الأثر لا النشاط: عدد المنشورات والمشاهدات ليس نتيجة نهائية. يجب قياس التذكر، والثقة، والتفاعل النوعي، وزيارات الموقع، وإتمام الخدمات، والتحول في الانطباع أو السلوك.

الخلاصة

تكشف أرقام 2025 أن الجمهور السعودي أكثر اتصالًا، وأسرع في الانتقال بين المنصات، وأكثر ميلًا إلى المحتوى المرئي والمحلي، وأسرع في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، يتجه قطاع الإعلام إلى مرحلة اقتصادية أكثر نضجًا، تقودها البيانات والفيديو والمحتوى المحلي والإعلانات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

لذلك لم يعد السؤال المهني: في أي منصة يجب أن ننشر؟ بل أصبح: ما الرسالة التي نريد إيصالها، ولمن، وفي أي سياق، وبأي صيغة، وكيف سنعرف أن الأثر تحقق؟

وهنا يكمن الفارق بين مجرد الحضور الرقمي، والاتصال الاستراتيجي القادر على بناء الثقة وتحقيق الأثر.

المصادر

• هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، تقرير إنترنت السعودية 2025:
https://www.cst.gov.sa/knowledge-center/reports/saudi-internet-report-25-dashboard

• هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، تقرير إنترنت السعودية 2024:
https://www.cst.gov.sa/-/media/cst-website-app/data/media/Reports/Data-and-Analysis/AR/Saudi-Internet/saudi-internet-2024.ashx

• الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تقرير حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار: 2025 وما بعدها:
https://gmedia.gov.sa/news/news-0025

سجّل الدخول للإعجاب 4
عطا الله مضيف الطلحي علي سعود الهويشان

أعجب بهذا عطا الله مضيف الطلحي و3 أعضاء آخرين

شارك المقال
LinkedIn X

تيليجرام بريد إلكتروني

أعجب 4 عضوًا

لا تعليقات بعد

كن أول من يعلّق على هذا المقال.
التعليق متاح لأعضاء الزمالة المسجّلين. دخول الأعضاء

مقالات أخرى للكاتب