بيان او صمت ؟!!
لماذا لا ترد؟ حين يصبح السكوت قرارًا اتصاليًا
الجهات تُدرَّب على الكلام: بيان جاهز، ومتحدث رسمي، ورسالة معتمدة. لكن أصعب ما يواجه إدارة الاتصال ليس سؤال «ماذا نقول؟» بل سؤال «هل نقول أصلًا؟»
من عمل في غرفة اتصال يعرف هذه الليلة جيدًا. هاشتاق يحمل اسم الجهة يصعد قرب منتصف الليل، ورسائل تتوالى على مدير الاتصال بصيغة واحدة تقريبًا: «لازم نرد الآن». تُفتح مسودة بيان، ويُستدعى المتحدث الرسمي من نومه، وتمر الصياغة على ثلاث مراجعات قبل الفجر. وفي الصباح يكتشف الفريق أن الوسم خفت من تلقاء نفسه قبل أن تُعتمد المسودة، وأن البيان لو خرج لكان قد أعاد إشعاله لا إطفاءه.
ويُطرح السؤال عادة بوصفه سؤالًا أخلاقيًا: شفافية في مقابل تهرب، وشجاعة في مقابل جبن. لكن هذا التأطير يضيّق المسألة أكثر مما ينبغي. فالسؤال في جوهره سؤال توقيت وكلفة: ما الذي يكسبه الجمهور من كلامك؟ وما الذي قد يخسره حين تتكلم في لحظة كان يكفي فيها أن تنتظر؟
الصمت ليس فراغًا
ظل الصمت في أدبيات العلاقات العامة موضوعًا موصومًا؛ يمارسه المهنيون كل يوم ولا يعترفون به، ويكتب عنه الباحثون بوصفه عيبًا لا أداة. حتى جاء رومين ديميتروف في كتابه Strategic Silence الصادر عن Routledge عام 2015 ليجادل بأن الصمت ليس نقيض الاتصال بل شكل من أشكاله غير المباشرة، وأن الوصمة الملتصقة به هي وحدها ما أخّر دراسته دراسة جادة. فالجهة التي لا تتكلم تقول شيئًا على أي حال؛ والسؤال هو ما إذا كانت تعرف ماذا تقول بسكوتها.
وهنا يلزم تمييز يقع فيه الخلط كثيرًا. حين تحدث موريسون وميليكن عام 2000 عن «الصمت التنظيمي» في Academy of Management Review، كانا يصفان شيئًا آخر تمامًا: امتناع الموظفين عن رفع المشكلات إلى قياداتهم خشية العواقب. ذاك صمت داخلي يُعالَج، وهذا صمت خارجي يُوظَّف. والجهة التي تُسكت منسوبيها ثم تسمي ذلك انضباطًا اتصاليًا، إنما تخلط بين الداء والدواء.
وثمة تحفظ آخر يستحق الإشارة: تُستعار أحيانًا نظرية «دوامة الصمت» لإليزابيث نويل-نيومان لتبرير سكوت المؤسسات، وهي في أصلها نظرية عن الأفراد الذين يكتمون آراءهم خوفًا من العزلة الاجتماعية. المؤسسة لا تخشى العزلة، ولا تملك ذلك «الجهاز شبه الإحصائي» الذي يقيس به الفرد مناخ الرأي من حوله. الاستعارة هنا زينة لغوية أكثر منها حجة.
حساب الانتباه
المورد النادر في هذا كله ليس المعلومة، بل الانتباه. كتب هربرت سايمون، الحائز على نوبل، عام 1971 عبارة صارت أساسًا لما يُعرف اليوم بـ«اقتصاد الانتباه»: أن وفرة المعلومات تُنتج فقرًا في الانتباه، وتفرض توزيعه بكفاءة بين مصادر لا تُحصى. ومعناه العملي في غرفة الاتصال بسيط وقاسٍ في آن: كل بيان تصدره يسحب من رصيد محدود، ويمنح القضية عمرًا إضافيًا لم تكن لتبلغه وحدها.
يسند ذلك ما نعرفه عن الذاكرة منذ تجارب هرمان إبنغهاوس عام 1885: المعلومة غير المعزَّزة تتآكل بسرعة، ويُفقد نحو ثلثيها خلال أربع وعشرين ساعة، وقرابة تسعة أعشارها خلال أسبوع. أما التقديرات المتداولة عن عمر المحتوى الرقمي — كتلك التي تحصر نصف عمر التغريدة في عشرات الدقائق — فتصبّ في الاتجاه ذاته، وإن كانت تقديرات تجارية تتغير بتغير الخوارزميات ولا تصلح مرجعًا قاطعًا.
مؤدّى ذلك أن للجدل عمرًا افتراضيًا قصيرًا، وأن أقوى ما ينعش ذاكرة الجمهور ليس إلحاح الخصوم، بل ردّك أنت؛ فأنت وحدك القادر على تحويل شائعة مغمورة إلى خبر له مصدر رسمي وعنوان وتاريخ نشر.
حين يشعل الرد الحريق
في عام 2003 رفعت المغنية باربرا سترايسند دعوى بخمسين مليون دولار لإزالة صورة جوية لمنزلها في ماليبو، كانت جزءًا من مشروع لتوثيق تآكل السواحل الأمريكية. والرقم الذي يستحق الوقوف عنده أن الصورة كانت قد نُزّلت ست مرات فقط قبل الدعوى، اثنتان منها من محامي المدّعية نفسها، ثم شوهدت مئات الآلاف من المرات خلال الشهر التالي. من هذه الواقعة صاغ الصحفي مايك ماسنيك مصطلح «تأثير سترايسند»، ويفسره علماء النفس بمبدأ المقاومة النفسية: ما إن يدرك الناس أن معلومة تُحجب عنهم، حتى يتضاعف دافعهم إلى نشرها.
والحالة الأشهر في سوء التوقيت لا تخص الصمت أصلًا، بل نقيضه. ففي أبريل 2017، بعد سحب راكب بالقوة من طائرة تابعة ليونايتد إيرلاينز، خرج رئيسها التنفيذي أوسكار مونوز ببيان اعتذر فيه عن «إعادة استيعاب الركاب»، بينما وصف الراكب في مذكرة داخلية بأنه مشاغب. لم يكن الرد متأخرًا؛ كان سريعًا وخاطئًا، فوسّع الأزمة أضعافًا قبل أن يعود بعد أيام إلى اعتذار كامل. وقبل ذلك بسبع سنوات، ووسط تسرب نفطي أودى بحياة أحد عشر عاملًا، قال رئيس «بي بي» توني هيوارد إنه يريد استعادة حياته، فأنهت جملة عابرة مسيرة رجل، وما تبقى من رصيد شركة.
الدرس ليس أن الصمت أفضل. الدرس أن رديء الكلام أسوأ من غيابه، وأن سرعة الرد ليست فضيلة في ذاتها ما لم تسبقها معرفة.
وحين يكون الصمت باهظًا
ثم يأتي الوجه الآخر، وهو الأقسى.
في أبريل 2024 أعلنت الجهات المختصة في الرياض إغلاق فروع سلسلة مطاعم محلية شهيرة ومعملها المركزي إثر حالات تسمم غذائي. ردّ مؤسس السلسلة في اليوم نفسه بمقطع مصور أعلن فيه الإغلاق المباشر وإلغاء الطلبات، وكان ذلك من زاوية مهنية تصرفًا صحيحًا؛ فأول واجب في أي أزمة سلامة هو ما تسميه نظرية الاتصال الأزموي الظرفي لتيموثي كومبس «المعلومة التوجيهية والتصحيحية»: ماذا يفعل الناس الآن ليحموا أنفسهم، وماذا تفعل الجهة لمعالجة ما وقع.
ثم توقف كل شيء. اختفى الصوت المؤسسي في اللحظة التي بلغت فيها الحصيلة، وفق ما أعلنته وزارة الصحة، خمسًا وسبعين حالة بينها وفاة واحدة، وفيما كان التحقيق يمضي نحو تحديد المصدر في أحد المكوّنات المورَّدة. وفي الفراغ الذي تركه ذلك الصمت تولّى آخرون سرد الرواية، وانتهت الشركة لاحقًا إلى التصفية بأمر قضائي.
عند هذه النقطة يفقد الصمت شرعيته. وكومبس نفسه يوضح أن نظريته أُسيء فهمها مرتين: حين ظُنّ أنها تجيز الإنكار في كل أزمة، وحين أُغفل أن المعلومة التوجيهية واجبة في كل أزمة بلا استثناء. أما الإنكار فمحصور عنده بحالة واحدة: معلومة كاذبة تملك دليلًا على كذبها. وقد سبقه وليام بينوا إلى تحذير قريب في نظرية ترميم الصورة: من ينكر بغير حق يُدان مرتين، بالفعل الأول، ثم بالكذب حين ينكشف.
ستة أسئلة قبل أن تفتح فمك
لا يُترك قرار بهذا الوزن للحدس، ولا لضغط الساعة الحادية عشرة ليلًا. وست إجابات كفيلة بحسمه في الغالب:
ما حجم الانتشار الفعلي؟ لا عدد التغريدات، بل هل غادرت القضية دائرتها إلى تغطية مستقلة.
من المصدر؟ حساب مجهول، أم جهة معتبرة، أم وثيقة منشورة لا يمكن إنكارها.
هل هناك ضرر مباشر؟ على سلامة الناس أو أموالهم أو خدماتهم.
هل أملك الدليل الآن؟ لا الرواية الداخلية، بل ما يُثبَت ويُنشر.
هل يُقرأ صمتي اعترافًا؟
هل القضية داخل نطاق اختصاصي أصلًا؟
فإذا كان الانتشار محدودًا، والمصدر مجهولًا، والضرر منتفيًا، والقضية خارج نطاقك، فالمراقبة أجدى من البيان، ويكفي أن تدع اقتصاد الانتباه يؤدي عمله. وإذا وُجد ضرر أو ضحية أو خطر، فالصمت ليس خيارًا مطروحًا مهما بدا مريحًا في تلك اللحظة.
وبين الحالتين منطقة ثالثة يهملها كثيرون: أن تصدر إشعارًا أوليًا موجزًا يقول إنك تعلم، وإنك تتحقق، وإنك ستعود بالتفصيل، ثم تعود فعلًا. هذا ليس صمتًا ولا ردًّا كاملًا، لكنه يحجز لك مكانًا في الرواية قبل أن يشغله غيرك.
ويكمل ذلك مبدأ يعرفه ممارسو إدارة الأزمات باسم «سرقة الرعد»: إن كنت تعلم بمشكلة قادمة داخل نطاقك، فكن أول من يفصح عنها، فالضرر السمعي حين تكشف نفسك أهون بكثير منه حين يكشفك سواك. والصمت الذي يسبق فضيحة معلومة الوقوع ليس استراتيجية، وإنما تأجيل للفاتورة مع فائدة مركبة.
ختامًا
الجهة التي تردّ على كل شيء لا يُسمع لها شيء؛ تتحول بياناتها إلى ضجيج خلفي يمر عليه الجمهور دون أن يقرأه. والجهة التي لا تردّ على شيء تترك مقعدها في الرواية شاغرًا لمن يجلس فيه دون استئذان. والمهنية ليست في أحد الطرفين، بل في القدرة على التمييز بينهما، وغالبًا في أقل من ساعة.
ولعل أنضج ما يمكن أن تبلغه إدارة اتصال ألا تقيس نفسها بعدد بياناتها، بل بعدد المرات التي اختارت فيها ألا تتكلم فكانت محقة، والمرات التي تكلمت فيها فغيّر كلامها شيئًا. أما بقية البيانات، فهي في الغالب حديث الجهة إلى نفسها.
المعجم
الصمت الاستراتيجي — Strategic Silence امتناع مقصود ومدروس عن الرد، بوصفه شكلًا من أشكال الاتصال غير المباشر لا غيابًا عنه.
تأثير سترايسند — Streisand Effect تحوّل محاولة إخفاء معلومة أو حذفها إلى سبب مباشر في انتشارها على نطاق أوسع مما كانت ستبلغه.
اقتصاد الانتباه — Attention Economy معالجة انتباه الجمهور بوصفه موردًا نادرًا؛ إذ تُنتج وفرة المعلومات فقرًا في الانتباه وتفرض ترشيد إنفاقه.
المعلومة التوجيهية والتصحيحية — Instructing & Adjusting Information أول ما يجب أن يصدر في أي أزمة: ما الذي يفعله الجمهور لحماية نفسه، وما الذي تفعله الجهة لمعالجة الضرر.
سرقة الرعد — Stealing Thunder مبادرة الجهة بالإفصاح عن مشكلتها قبل أن يكشفها طرف ثالث، تقليلًا للضرر السمعي وامتلاكًا لزمام الرواية.
الصمت التنظيمي — Organizational Silence امتناع منسوبي الجهة عن رفع المشكلات إلى قياداتهم خشية العواقب؛ وهو خلل داخلي لا أداة اتصالية.
كن أول من يعجب بهذا المقال

